نشرت  :  8/27/2019 9:57:00 AM
عدد الزیارات  :  82
Print
   
رحلة الشعر الفارسي المعاصر.. تحولات شاقة نحو التجديد

عندما نقرأ الشعر الفارسي الحديث لا بد لنا أن نستعرض أولاً حركة جيلين مهمين أثرا في مكونات مفاصل هذا الشعر، وما قدمه شعراء هذين الجيلين من انجازات على مستوى المضامين والبنى التركيبية.






ظهرت انعطافات الشعر الفارسي الأولى نحو التجديد بعد جيل الشعراء الإيرانيين الكبار: الحافظ الشيرازي وسعدي الشيرازي وجلال الدين الرومي والعطار النيسابوري وآخرين إلا أنه مع انتهاء القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين أي مع ثورة الدستور عام (1906 ـ 1908) تجلت الانعطافة المهمة في حياة الإيرانيين سياسياً وثقافياً وأدبياً.

في هذه الفترة بدأت المراحل الشعرية المنطلقة تهتم بالمضامين الجديدة بعيداً عن البنى الشكلية من حيث الوزن والقافية، حيث تجلى خطاب الشعر الفارسي الحديث في هذه الحقبة على رواسخ حب الوطن والتضحية من أجله ومعالجة وتناول الأوضاع الاجتماعية التي كانت الهم الشاغل سياسياً وثقافياً من أجل تغييرها جذرياً. أثناء هذه الانعطافة التاريخية بدأت مصطلحات ومفردات «الوطن والحرية والأمة والشعب والغرب والتغيير تؤثر في حركة الشعر الفارسي الحديث، بل تأخذ أهميتها ورسوخها، والتي لم نشهدها من قبل في قاموس الشعر الفارسي القديم الذي كان في أغلبه يدور حول العشق والحب والحب الإلهي والوجد والهيام والطبيعة والروح.

مفاصل الحرية
هذا التغير نحو مفاصل الحرية في الشعر الفارسي الحديث لم يتعرف عليه الإيرانيون من قبل، بل فوجئوا به فبعد أن كانت الحرية تعني في شعرهم الفارسي القديم التحرر من السجن وانعتاق العبيد، أصبحت تعني انطلاقة الإنسان والطبيعة في عالم رحب، وتعدد حقوق الفرد في الحياة مع احترام حقوق الآخرين. بدأت مع الشعر الفارسي الجديد تظهر مفردات جديدة مثل الشعب وخصوصية الأمة الإيرانية، مما جعل هذه الالفاظ أكثر دلالة وايحاء في شعرهم، وكذلك المرأة التي صارت نموذجاً متغيراً يمتلك مكانة بارزة في الخطاب الأدبي والشعري مطابقة مع الخطاب السياسي. من هذا المنطلق يمكن القول إن حركة المتغيرات في أرومة الخطاب الشعري الفارسي مطابقة لحركة التغيرات في المنطق السياسي الفارسي المتحول اجتماعياً، حيث تغير ضعف المرأة إلى قوة، ومحبوبة الشاعر أصبحت إنسانته المفضلة، والإنسانة المغلوب على أمرها أصبحت أكثر جهراً بالاحتجاج والاستنكار لكل ما يقف أمامها، لذا كان لا بد للشعر أن يقدمها بصورتها الجديدة. كل ذلك يتعلق بالمضامين أما الأشكال التعبيرية الجديدة في الشعر الفارسي فقد بدأت تنحو منحى التحديث، إذ لم يعد البحر الشعري الكلاسيكي خليلياً «أي على وزن بحور الخليل بن أحمد الفراهيدي» التي اتبعها الشعراء الأوائل الكبار، بل صار بناء جديداً بدأ يتحرر من التركيبة القديمة في إطار من الشكل الأوروبي الجديد. يمكن رصد جيلين شعريين مهمين شكلا علامة بارزة في الشعر الفارسي الحديث وهما الجيل الأول الذي يمثله علي اسفندياري الملقب بـ «نيما يوشيج 1895 ـ 1959» والذي يعد أب الشعر الفارسي الحديث وهو من جيل الشعراء رشيد باسمي وصورتكر ومسعود فرزاد ورعدي آذرخشي وبروين اعتصامي وايرج ميرزا وبهار وفرخي اليزدي. والجيل الثاني الذي يمثله احمد شاملو وسهراب سبهري وفروغ فرخزاد وسياوش كسرائي.

الجيل الأول و«شعر نو»
مع ظهور علي اسفندياري «نيما يوشيج» بدأت الهموم الاجتماعية تدخل القصيدة الجديدة بحكم سيطرة اليسار الماركسي على الشارع الايراني إبان فترة حكم الشاه رضا بهلوي. لقد كانت هموم الشارع مدعاة لتغير بناء القصيدة الفارسية حيث كان التساؤل المهم إلى أين يجب أن تسير الحركة الشعرية في إيران كي تلائم العلاقات الاجتماعية الجديدة؟ مطروحاً بقوة والذي أسفر عن ظهور تيارين في هذا المجال أولهما يبحث عن الحداثة الشعرية النوعية والثاني يرى ضرورة استمرار الشعر على ما كان عليه في بنيته التركيبية واللغوية. في هذا الإطار ولد الشعر الحر أو الحديث الذي كان يطلق عليه «شعر نو» والذي ولد مع علي اسفندياري أو«نيما يوشيج» كما كان يذيل قصائده ويرفع هذا المسمى على أغلفة دواوينه. نيما يوشيج الآتي من قرية (يوش) النائية في شمال إيران والذي درس في مدارس طهران العاصمة واختلط بالحداثة التي بدأت تتفتح على الغرب ظل أميناً للبيئة الريفية التي انحدر منها، بيئة جبلية تحمل امتداداً اسطورياً وظفه بشكل واضح في شعره، كما وظف نيما الرمزية والاختفاء وراء حجب الكلام المستتر ليعبر عن الثورة وانتقاد السلطة مستخدماً الكناية والايهام اللفظي بوصفهما صورة من صور الفن الابداعي حيث «اتجه معظم الشعراء إلى الانطوائية وحديث النفس وما إلى ذلك من أساليب تقيهم من شر البوليس السري الملكي» كما يقول الناقد يوسف عزيزي. ومثلما تنازع الشارع الايراني بين الحداثة والقدم في تكوين الشعر الفارسي كان انبثاق الشعر الحر في إيران بمثابة ثورة في الشعر الفارسي، حيث أخذت تؤثر على الذوق الأدبي والفني في إيران، ومثلما نزع الشعر الحديث الزي القديم عن جسده أخذ أيضاً يبتعد في المضمون عن المضامين القديمة للشعر الفارسي، حيث لم يكتب نيما يوشيج وزملاؤه شعراً في الغزل والقصيدة العرفانية أو الصوفية التي سبق وأن ملأت دواوين شعراء الفرس الكبار كحافظ شيرازي وسعدي والبلخي وعطار النيسابوري.

نيما يوشيج
ولد علي اسفندياري «نيما يوشيج» عام 1895 في قرية يوش بمنطقة طبرستان في محافظة مازندران «شمال إيران» وتوفي عام 1959 في العاصمة الإيرانية «طهران». تعني كلمة نيما يوشيج بالفارسية نيما اليوشي لأن حرف الجيم في اللهجة الطبرية تماثل حرف ياء النسبة في الفارسية والعربية وهي تعني «صغير يوش». درس نيما بمدرسة «سن لوئي» الفرنسية في طهران وأتقن اللغة الفرنسية وكتب الشعر بتشجيع من استاذه آنذاك الشاعر الإيراني نظام وفا. كما أتقن اللغة العربية حيث ساعدته في استيعاب الأدب الفارسي القديم المشفوع بالكثير من المفردات العربية. نشر أول منظومة شعرية عام 1921 بعنوان «القصة المشحوبة» والتي ضمت 500 بيت مثنوي. وفي 1939 نشر قصيدة الغراب وهي أول نموذج واضح للشعر الحر في تاريخ الأدب الفارسي وأطلق على منهجه في كتابة القصيدة الحرة بـ «النيمودي» نسبة إلى اسمه الأول نيما. بعض النقاد اعتبر قصيدته «افسانة 1921» هي أول قصيدة فارسية حرّة وهي قصيدة غزلية طويلة تجسد بأسلوب رومانتيكي عواطف الإنسان القروي في المدينة. شكلت إفسانة فاصلاً فنياً وتركيباً من فواصل العلاقة بين القدم والحداثة في الشعر الفارسي الحديث ومن هذا المنطلق اعتبر نيما يوشيج الأب الروحي لهذا الشعر. «ينبثق شعاع القمر ليتلألأ ضياؤه في عتمة الليل لا توجد لحظة يترك النوم أجفانك ولكن هموم هؤلاء النائمين تبعد الكرى عن عيني الدامعتين تسامرني ساعة السحر في قلقي يتمنى الصباح عليّ أن أجلب خبزاً لقوم مقهورين من أجل تلك اللحظة المباركة كشوكة تنغز في صدري لرحيلي». اطلع اسفندياري على أعمال بدر شاكر السياب ونازك الملائكة وعبدالوهاب البياتي بحكم معرفته باللغة العربية، حتى قيل انه كان يحتفي بدواوينهم عندما كانت تصدر إلا أنه ظل تلميذاً نجيباً للمدرسة الفرنسية، كانت بواكيره على أوزان الخليل بن أحمد ثم تحول عنها مضارعاً شعراء الحداثة في العراق.

الجيل الثاني والحداثة
اعتبر الشاعر والباحث في التراث والمترجم الشهير أحمد شاملو الشعر الحديث سلاحاً للشعب عبر تساؤله الكبير ما فائدة أن يكون الإنسان ظل غيمة؟ .. وانعكست هذه التساؤلات أيضاً على أبناء جيله المهمين. لقد آمن أحمد شاملو بمهمة قصيدة النثر في الشعر الفارسي ويعد هذا التفكير حالة مبكرة في مسيرة هذا الشعر الذي ظل يحافظ على تقليديته لأزمان طويلة ومن هنا يقول شاملو: «لا بد من استبعاد الوزن والقافية وكل ما يقف في وجه هذا التحرر لتظهر أفكار الشاعر على الورق كما هي وكما يراد لها من دون عقبات أو ضواغط مشوّهة». لقد كان هاجس التقليد عند شعراء الحداثة يتلخص في الالتزام بالوزن والقافية لذا عدّ هؤلاء التخلص من هذين العنصرين الحداثة بعينها، ولذا ترى ثورتهم عليهما قضية كبرى، وهذا لا يعني عدم معرفتهم بأن الحداثة كانت منشغلة بتثوير اللغة وتحطيم بنائها الكلاسيكي. كان أحمد شاملو في أشعاره الصورة الحقيقية للأزقة والدهاليز ومعابر السجون والمسجونين والليالي الحالكة الظلمة ومحاربة الظالمين وعبث الموت ومجانيته: «لم أهلع قط من الموت وان كان الحديث عنه قد صار أكثر ابتذالاً من الموت نفسه وإثارة للغثيان إن خوفي كله أحياناً من الموت في أرض يكون فيها أجرُ حفار القبور أغلى من حرية الإنسان وقد ولد أحمد شاملو عام 1925 في مدينة طهران، وقد ترك الدراسة في السنة الأولى للثانوية واشتهر كشاعر في الأوساط الأدبية منذ سن السابعة عشرة. ترجم قصائد لشعراء أوروبا الكبار سان جون بيرس في قصيدته «الفلك ضيقة» ولوركا في «مقتلة في الكاتدرائية» و«عرس الدم» هذا بالإضافة إلى اهتمامه بالرواية وانشغاله بالصحافة حيث أصدر عدداً من الصحف بالرغم من ولعه بالتجديد بالشعر الفارسي الملحمية وجمال العبارة وبلاغة النسيج والاهتمام بالمضامين الإنسانية هي ما حاول أحمد شاملو ان يغذي بها شعره. خمسة عقود كان لأحمد شاملو الصوت المؤثر في الثقافة الإيرانية حيث مجد الإنسان وأعلى من شأنه وعارض الطغاة، والقتلة، والاستبداد، والقهر، والظلم، والتحقير، والارتهان. حاول بعض النقاد أن يتلمسوا تأثيرات أودنيس في نسيجه المتعالي وعباراته الظلالية وملحمية محمود درويش في امتداداته الفاخرة وثورته الصاعدة مع آمال الناس البسطاء وتحديات محمد مهدي الجواهري لقسوة السلطات، كل ذلك يعتقد الكثيرون متجلية في شعر أحمد شاملو. أصدر ديوانه «القصائد المنسية» أو «الألحان المنسية» عام 1946 وهي مجموعة غير متجانسة من الأشعار التقليدية التي تأثر فيها بالكلاسيكية وبجانب من أشعار «نيما يوشيج» في قصائده الحرة. أصدر بعد ذلك ديوانه «الحداد والأحاسيس» التي بدا واضحاً فيها اقتفاء أثر نيما يوشيج، كما أصدر عام 1949 مجموعته الأخرى «قطعنامة» التي تحتوي على أربع قصائد طويلة من الشعر الحر، والتي تشير إلى أن شاملو تجاوز فيها «نيما يوشيج» ووجد لنفسه طريقاً. بعد فترة أصدر أحمد شاملو ديوانين هما «المناخ الجديد» و«حديقة المرأة» ومن قصيدته «الشعر هو الحياة» يقول: «موضوع الشعر لدى الشاعر القديم لم يكن عن الحياة وفي فضاء مخيلته القاحلة لم يكن يتحدث إلا عن الشراب والمحبوب كان يعيش ليل نهار في الخيال مقيداً بشراك ضفائر الحبيبة الضاحكة في حين أن آخرين في يد كأس الشراب وفي الأخرى ضفيرة المحبوب يُعولون في أرض الله ثملين». ويواصل أحمد شاملو نسج مفارقته بين شعر الأمس التقليدي القديم وشعر اليوم المتحرر بالثورة والإنسان فيقول عنه: «موضوع الشعر اليوم موضوع آخر الشعر اليوم، سلاح الشعب لأن الشعراء فروع في غابة الشعب وليسوا ياسمين حديقة فلان أو سنابلها شاعر اليوم ليس غريباً عن آلام الشعب المشتركة فهو يضحك بشفاه الناس آلام الناس وآمالهم ملتحمة بعظامه». اهتم شاملو باللغة ومن هنا جاءت حداثته فابتكر اللفظة ونسيجها الصحيح ولا ضير لديه من استخدام النحو العامي الفارسي وذلك واضح في قصيدته «ابنة البحر». واختلف أحمد شاملو مع استاذه «نيما يوشيج» في استخدام الرمز الشعري الذي لم يعره اهتماماً مثلما فعل نيما، وكل ذلك من مؤثرات وضوح رؤيته اليسارية للعالم، حيث كان يؤمن بوضوح الموضوع الذي يريد أن يوصله إلى المتلقي. أحب أحمد شاملو امرأة أرمينية وهي «أيدا» بعد أن طلق زوجته الأولى وقد استقرت «ايدا»، في شعره ملهمة وربة للشعر في داخله، ولم تسمح وزارة الارشاد في إيران بطبع دواوينه وسائر آثاره إلا عقب مجيء محمد خاتمي لرئاسة الجمهورية حيث تم حظر كتبه لمدة 16 عاماً وهي الفترة (1981 ـ 1997). تعرض أحمد شاملو لانتقادات بحجة العلمانية وبسبب معارضته للمثالب الاجتماعية حيث كان شجاعاً وصريحاً قبل وبعد الثورة كما جاء في كتاب «إيران الحائرة بين الشمولية والديمقراطية» ليوسف عزيزي الصادر عن دار الكنوز الأدبية في بيروت. كانت قصائد أحمد شاملو صوت المناضلين الوطنيين واليساريين والذي يطرب فيها قلوب المعتقلين في سجون حكم شاه إيران. بالرغم وللمفارقة أيضاً أن «فرح بلهوي» ملكة إيران السابقة كانت تحب شعره وتحرص على قراءته.

فروغ فرخزاد
وصف بعض الكتاب الشاعرة البارعة فروغ فرخزاد («1935 ـ 1967) التي أصبحت مثالاً إبداعياً للجيل النسوي من الشعراء الإيرانيات بعدها وهنّ: ناهيد يوسفي وفاطمة راكعي وفرشته ساري وسودابه أميني، بأنها نموذج للتمرد على السائد والمألوف المتخلف حيث قورنت بالشاعرة العربية الأندلسية ولادة بنت المستكفي التي أحبها الشاعر العربي ابن زيدون والتي اشتهرت بقولها الذي نسجته على ذيل بدلتها:

وأمشي مشيتي واتية تيها
وأمنح قبلتي من يشتهيها

فروغ فرخزاد قال عنها الشاعر الإيطالي «ماوريتسو دل توركو»: انها عروس الشعر الفارسي الحديث والتي عاشت الحب والموت معاً وهي التي قال عنها «توركو» ايضا: حينما كانت تكتب فروغ قصيدة كانت تستحضر كل تجارب القهر الأنثوي وتستحضر كل قصص العشق وكل خطوط الألم وكل هذا يحتشد في إطار من الرومانتيكية العالية، وأيضاً تشعر بأنه تحت جلد القصيدة مفردات محمومة لجسد ينبض بالثورة والعطاء». كانت فروغ فرخزاد تمثل عمق السر الشعري في شدة حساسيتها بالنسبة للحداثة في الشعر الفارسي باعتبارها سيدة الحداثة في الشعر الايراني، وقيل أنها - بحسب النقاد ــ قد تفوقت على مجايليها «سهراب سبهري» و«سياوش كسرائي». في مجتمع ايراني تتسيد فيه الذكورية كأي مجتمع شرقي بدا القهر الأنثوي واضحاً في قصائد فروغ فرخزاد، التي عبرت عن كسر التقاليد والأعراف بشكل صارخ: «أريده واأسفاه أريده أضمه إلى صدري يلتف حول جسدي يطوقني بذراعيه ويتركني رماداً في فراشي أريده في الظلمة، في الوحدة أريده بالبكاء، بالقلب أريده بالصبر والاحتمال أنت يا من اختفيت في جلدي واشتعلت كالدم في عروقي وأحرقت جدائلي بدعاباتك آه يا غريباً في قميصي يا عالماً بمروج جسدي». انها معان قوية وتمثلات روحية حيث تشتعل في أعماقها نار الحرية التي تتفجر في الشعر في مجتمع شرقي ينكر عليها الكثير الكثير. ويكتب أحمد شاملو قصيدته الرائعة رثاءً للشاعر فروغ فرخزاد في ألم وحسرة وبكاء، باحثاً عنها، بين أبيات قصيدته، حيث يستجمع الكلمات لتودعها في حشد من العويل فيقول: «باحثاً عنك أبكي على بوابة البحار والأعشاب باحثاً عنك أبكي في معرض الريح أبكي في تقاطيع الفصول في أضلاع نافذة مكسورة صنعت للسماء الغائمة إطاراً عتيقاً في انتظار صورتك إلى متى وكم سنطوي أوراق هذا الدفتر الخالي». وتميزت حياة فروغ فرخزاد الأدبية بحسب قول الشاعرة سيمين بهبهاني بمرحلتين متمايزتين هي المرحلة الأولى كانت تنشد القصائد من نوع الدوبيت العادية القائمة على الوزن الحديث لتبدي عواطفها الصارخة بلغة بسيطة يفهمها الجميع، لكنها في المرحلة الأخيرة اتجهت إلى الأوزان الحرة النيمائية لتعدل في هذه الأوزان لتتميز عن الآخرين، وقد بدلت العواطف الجامحة والصريحة بالصور والأفكار، لكنها وفي عز عطائها رحلت. ولدت فروغ فرخزاد في عائلة أغلب أفرادها من قادة الجيش في طهران عام 1935 ولها ستة أشقاء، استكملت دراستها لمرحلة أولية وحين بلغت 16 عاماً تزوجت من برويز شابور، أكملت دراستها في الرسم ثم انتقلت مع زوجها إلى الأهواز ورزقت بولد وحيد كتبت عنه قصيدة «قصيدة لك». تطلقت بعد عامين من زواجها. وعادت إلى طهران لكتابة الشعر وأصدرت ديوانها الأول «الأسير» عام 1955. حملت فروغ فرخزاد أفكاراً نسوية متحررة وغادرت عام 1958 إلى أوروبا وظلت 9 أشهر هناك. ثم نشرت ديوانين آخرين هما «الجدار» و«الثورة» وفي عام 1963 نشرت ديوانها «ميلاد جديد» والذي شكل علامة في تاريخ الشعر الإيراني الحديث. في عام 1967 وفي الرابع عشر من فبراير توفيت فروغ فرخزاد في حادث سيارة عن عمر الثانية والثلاثين ونشرت بعد موتها قصيدتها المشهورة «لنؤمن ببداية موسم البرد». فروغ فرخزاد شقيقة المغني الإيراني والناشط السياسي فريدون فرخزاد. وكان موتها المفاجئ في عمر الشباب قد جعل منها أسطورة أدبية مأساوية، الشاعرة التي رفضت أن تكون امرأة تعيش في تخوم الشرق تحت ظل رجل قاهر لها.

سهراب سبهري
على النقيض من فروغ فرخزاد التي كانت قصائدها تمثل أقصى نبرة عالية في الاحتجاجات المتحدية لكل القيم الاجتماعية السائدة كان مجايلها الشاعر سهراب سبهري (1928 ـ 1980) قد تألق في تجربته الشعرية الثمانينية بخاصة في بعده التأملي وتوظيف المناخ العرفاني في القصيدة الحديثة بعد أن همشه الوسط النقدي لسنوات طويلة بسبب إهماله لواقع اجتماعي «كما يقول صادق هدايت في دراسته عن الشعر الفارسي الحديث بترجمة محمد الأمين. لقد مزج سهراب سبهري في شعره الحر والعرفاني العرفان البوذي الهندي والياباني وهو يختلف تمام الاختلاف عن العرفان الإسلامي الخاص بالعطار أو البلخي وهو عرفان له جذور في الفلسفة المانوية الإيرانية القديمة. كذلك قصائد سياوش كسرائي المتوفي عام 1994 كانت مليئة بالملحمية الكلاسيكية التي تشابه ملحميات الفردوس وذلك بالرغم من استخدامها لرموز أسطورية فارسية قديمة كان فردوسي يستخدمها أيضاً في ديوان الشاهنامة. ولد سهراب سبهري في كاشان عام 1928 وبعد إنهائه المرحلة الثانوية انتقل إلى طهران وحصل على الدبلوم فعمل في المؤسسات الثقافية. نشر أول ديوانه «قريباً من أصيص الزهر أو عشق ما بعد الموت» ولم يتجاوز العشرين عاماً. أصدر في عام 1952 ديوانه الشعري الثاني «مون اللون» حيث كانت تأثيرات نيما يوشيج واضحة في شعر سبهري. درس الرسم فأبدع، وأنشد الشعر فأجاد، وحفر على الخشب والمعادن، أصدر ديوانين شعريين في العام 1961 تحت عنوان «فتات الشمس» و«شرق الحزن». في عام 1964 زار الهند وباكستان فكتب قصيدته «أوقع خطوات الماء» ذاع صيته في إيران وخارجها فكتب قصيدة طويلة اسمها «مسافر» ثم في 1967 أصدر خيرة دواوين الشعر الإيراني المعاصر «حجم الخضرة» اشترك في بينالي باريس عام 1973. صدرت له الأعمال الكاملة بعنوان «ثمانية كتب». وضمت آخر دواوينه «نحن نظرة». وفي عام 1980 مات سهراب سبهري، المجرب في الأشكال التعبيرية الشعرية، وكتب على شاهد قبره في كاشان: «وأنت تجيء إليّ جئ أكثر صمتاً كي لا تخدش وعاء العزلة»


نقلا عن سلمان كاصد / صحيفة الإتحاد

اكتب تعليقك
الاسم
البريد الإلكتروني
اكتب تعليقك
  ارسل