نشرت  :  10/20/2019 2:40:00 PM
عدد الزیارات  :  68
Print
   
العربية والفارسية ثقافة واحدة بلغتين

من المستحيل أن يعثر المرء على لغة لشعب ما لم تتأثر بلغة الشعوب المجاورة لها. وعلى هذا الأساس جاءت موضوعة اقتراض واستعارة المصطلحات والتعابير والمفردات كإحدى الموضوعات المهمة في علم اللسانيات؛ فتجاور وتحاور اللغتين والثقافتين العربية والفارسية على مرّ التاريخ جعلا منهما جارتين تحتاجان بعضهما بعضاً لتسيير أمورهما في الحياة اليومية والتاريخية.






 فاللغة الفارسية ولأسباب كثيرة - منها الدينية والاجتماعية والسياسية - تأثرت باللغة العربية وأثرت فيها، فجعلت التمازج بينهما بعمق يحكم على المهتم بمطالعة الأدب الإيراني أن يكون على معرفة جيدة باللغة العربية.
   إن من أكثر النصوص العربية التي أثرت في الفارسية نصوص المصحف الكريم. فعلاوة على الجوانب الدينية والعقيدية لهذا الكتاب، يعدُّ الجانب الأدبي بكل وجوهه من جهة البلاغة والفصاحة والإيجاز والأمثال والحكم، هو المثل الأعلى لمن يطلب أنموذجاً يقتدي به في نتاجاته. فما أكثر الشعراء والكتاب الإيرانيين الذين كتبوا بالفارسية أو بالعربية مباشرة أو باللغتين، واستفادوا – ولا يزالون يستفيدون- من هذه الهبة الإلهية. فرسائل الديوان والإخوانيات والرسالات والقطعات الأدبية التي استطاعت أن تعبر حدود التاريخ لتصل إلينا، امتازت في أنها حاولت تتبع نصوص المصحف الكريم واستلهام جمالياتها، لكي تصبّه في عطاء وصياغة أدبية.

   ومع هذا، يجب ألا ننسى أن هؤلاء الأدباء والشعراء والباحثين في مجالات الثقافة المشتركة بين العرب والإيرانيين، إلى جانب تأثرهم بثقافة الدين الإسالمي واللغة العربية، كانوا قد أضافوا ب إبداعهم ونتاجهم إلى تلك الثقافة؛ لتزداد ألقاً وتوهجاً. فالإيرانيون المسلمون عملوا بوجدان علمي وذائقة أدبية وبجدّ وجهد؛ لتأليف وتدوين أسفار وكتب ورسالات لا تعد ولا تحصى وموسوعات، شكلت جانباً مهماً في بنيان الثقافة الإسلامية.

   فالتاريخ يحدثنا عن مئات القراطيس وعشرات الفهارس بأسماء العلماء والأدباء من بلاد فارس، والمتاخمين لطريق الحرير؛ ممن كرسوا حيواتهم المهنية لإنتاج ما تحتاجه الشعوب الإسلامية من علوم وفنون ترتقي بحياتهم الثقافية نحو السمو والسؤدد.

   في أيامنا هذه، قد يعرف بعض منا أسماء عديدة لأدباء وعلماء ومفكرين إيرانيين؛ أسهموا في صناعة الأدب والفكر العربي، فتراهم يذكرون من الشعراء بشار بن برد، و أبا نواس، ومهيار الديلمي، والطغرائي وغيرهم. ومن العلماء الفارابي وابن سينا وغيرهما. لكن التاريخ يؤكد لنا أنه عندما كنا أمة واحدة، ولم تكن بين حضارتينا حدود موضوعة، اشتغل المئات- إن لم نقل الآلاف- من أهل الكلمة والفكر من الإيرانيين إلى جانب إخوانهم العرب في شتّى مجالات العلوم ليصنعوا لنا غداً مشرقاً مكرماً معززاً في ظل الدين الإسلامي في جغرافيته الواسعة.

  وهنا، كي أختصر الكلام، سأقول: إذا كانت الألقاب تدل على هوية الشخص بعد انتمائه الديني، فالتاريخ يقول لنا بلغة الأرقام:
1. إن مئتين وستين مؤلفاً ومفكراً على مدي التاريخ الإسلامي لقبوا بالبغدادي.
2. إن مئة وخمسة وستين مؤلفاً ومفكراً لقبوا بالأصفهاني.
3. إن مئة وخمسة وعشرين شخصاً لقبوا بالرازي، وفي حدود العدد نفسه بالحلبي.
4. إن مئة مؤلف ومفكر لقبوا بالشيرازي، والهمداني، والكوفي، والفارسي، والنيشابوري، والمقدسي، والأنصاري.
5. إن تسعين مؤلفاً ومفكراً لقبوا، بالبصري، والتبريزي، والصنعاني والقزويني.
6. إن ثمانين منهم لقبوا بالبخاري، والطبري، والطبرسي والدمشقي.
7. إن سبعين منهم لقبوا بالطوسي، والكرماني، والهروي، والخراساني، والدهلوي، والزنجاني، والكاظمي، والقرطبي.
8. إن ستين منهم لقبوا بالعاملي، والمدني، والنجفي، والقمي، والغزي، والمغربي والمصري.
9. إن أربعين حتى خمسين مؤلفاً ومفكراً لقبوا بالخوارزمي، والجرجاني، والسمرقندي، والمراغي، والبلخي، والأشبيلي، والغرناطي، والتستري، والمروزي، والموصلي، والأزدي، واليزدي، والمكناسي واللخمي.

إن هذه الأرقام التي استخرجها العلامة السوري محمد قجة، تخبرنا عمن كتبوا باللغة العربية وحسب، وهي إن دلت على شيء؛ تدل على مدى الالتحام والتآخي وعمق الوشائج الفكرية والقلبية بين العرب والإيرانيين الذين ينتمون إلى ثقافتين متقاربتين، متمازجتين، متلاحمتين، مشتركتين في سرائها وضرائها، حتى تكادان تكونان ثقافة واحدةً بلغتين... لكن هل هذا الوئام وهذا الالتحام حصل بسهولة ويسر؟ الجواب هو طبعاً لا.

   فكتب التاريخ تحكي لنا عن مئات المواقف المشهورة والمغمورة التي حدثت بين ضفتي الثقافة، وصنعت الأدبين العربي والفارسي في بوتقة لتدخل الثقافتان في صراع و نزاع تارة، وفي صفاء ووفاق تارة أخرى، كي تنصهرا بشكل لا يتسنى للباحثين الاستغناء عن ضفة للتعريف بالضفة الأخرى.

   لنأخذ مثالاً: تحكي لنا كتب التاريخ الإسلامي أن سلمان الفارسي هجر بلاده باحثاً عن ذاته فأصبح من مقربي خاتم المرسلين صلى الله عليه وآله وأصحابه. كما تخبرنا كتب تاريخ الأدب أن الأعشى الشاعر، قد سافر إلى بلاد فارس ودخل البلاط فسأل الملك حاشيته: من هذا؟ قالوا: ترانه به عربي مي گويد. يعني أنه يردد أغاني باللغة العربية. ويستنتج بعض الخبراء من هذا الكلام أن الإيرانيين لم تكن لديهم آنذاك كلمة شاعر، وكانت الكلمات المنظومة لديهم تنحصر في ما يردده المطربون والعازفون، والشعر قد تعلموه من العرب، وهذا في عهدة الراوي!

   وكما هو معروف، فقد ظهر شعراء و أدباء هم أعمدة وأساطين للأدب العربي من أصول فارسية، كانوا يعيشون في بلاد العرب منذ بدايات الحضارة الإسلامية مثل بشار بن برد وسيبويه وابن المقفع وأبي نواس. لكن التاريخ يتجاوز ذلك ليخبرنا عن شعراء وأدباء كبار عاشوا في بلاد فارس بعيدين عن الجغرافيا العربية؛ ألفوا آثارهم بلغة العرب.

وتاريخ الأدبين العربي والفارسي مكتظ بأسماء وأعمال من اجتهدوا باللغة العربية من الإيرانيين، ومن تعصبوا لها، ومن جاهدوا لرقيها، وأيضاً من عملوا على الحط من مكانتها في ظروف زمانية ومكانية مختلفة.
   وكي نلقي الضوء على بعض زوايا حياة اللغة العربية وآدابها في بلاد فارس، التي كانت تشكل جزءاً كبيراً من طريق الحرير، سنورد بعض الأمثلة والإشارة إلى خمسة مصادر، ثلاثة منها تنتمي إلى القرون الثالث والرابع والخامس الهجري، والاثنان الآخران من مؤلفات زماننا:

أولاً: يتيمة الدهر للثعالبي
كان الثعالبي من كبار علماء زمانه في شتى العلوم، خلَّف لنا مكتبة عامرة، منها كتاب (الاقتباس من القرآن) وكتاب (يتيمة الدهر) وكتاب (فقه اللغة) إلى غيرها من الكتب والقراطيس. وكان الثعالبي مغرماً بلغة الضاد فكتب في كتاب (فقه اللغة) يقول:«كل من يحب العرب، لا بد أن يحب اللغة التي نزل بها المصحف الكريم. وكل من يحب هذه اللغة (العربية) يسعى إلى أن يحافظ عليها و يجاهد كي ينشرها ويروج لها».

يخصص الثعالبي في كتابه (يتيمة الدهر) قسماً للشعراء والأدباء الذين سبقوه زمناً، فيأتي بأسماء لا حصر لها ممن أثَّروا وأثْرُوا تاريخ الأدب، منهم أبو أحمد بن أبي بكر الكاتب، والبلعمي، والإسكافي، وابن العميد الذي قيل فيه: ختمت الكتابة به، ومدحه كبار الشعراء مثل المتنبي وابن مسكويه. ويحدثنا صاحب اليتيمة عن الصاحب بن عباد، ذلك الأديب النحرير في القرن الرابع الهجري، الذي كان مولعاً باللغة العربية وآدابها وبلاغتها، إذ ألَّف فيها ثلاثين كتاباً وكان مهووساً بالسجع والقافية.

   ولأن الصاحب بن عباد كان صاحب منصب مرموق فقد أمر لمن ينشر اللغة العربية ويروج لها في مركز إيران - من الري إلى أصفهان وهمدان وجرجان- أن يكافأ بالحساب، وفي المقابل كان يسعى إلى الحطِّ من اللغة الفارسية، وهذا الأمر قد خلف له عداوات كثيرة بين الأدباء وغير الأدباء من الإيرانيين وعلى رأسهم أبو حيان التوحيدي الذي ألف كتاباً أسماه (مثالب الوزيرين) أي الصاحب بن عباد وابن العميد. وقد كان الصاحب متمكناً من العربية إلى حد جعله يؤلف كتاباً بعنوان (الكشف عن مساوئ المتنبي).

   ومن الشخصيات الكبيرة التي أثرت في ترسيخ اللغة العربية في إيران الشاعر الكبير أبوالفتح البستي (المتوفى في أربعمئة هجرية) وكذلك بديع الزمان الهمداني صاحب المقامات الشهيرة. ويذكر الثعالبي عشرات الأسماء الأخرى من الإيرانيين الذين كتبوا وألفوا أسفارهم بالعربية، لكنني سأكتفي بهذا القدر لأنتقل إلى كتاب آخر وهو:

ثانياً: دمية القصر للباخرزي
يسجل الباخرزي في كتابه (دمية القصر) أسماء لشعراء وعناوين؛ لمن كتبوا من الإيرانيين باللغة العربية. ويعدُّ هذا الكتاب تكملة ليتيمة الثعالبي، ويماثله في الإصرار على العربية و إنكار اللغة الفارسية. وبرغم أن الباخرزي كان يكتب قصائده بالفارسية لكنه لم ينقل لنا في كتابه (دمية القصر) سوى بيتين أو ثلاثة بلغة أبناء جلدته؟ ومع ذلك، فقد جاء بقصائد لشعراء إيرانيين تقترن أسماؤهم بأسماء المدن والقرى الإيرانية الشهيرة آن ذاك مثل الجرجاني والزوزني والقهستاني والشيرازي وغالبيتهم من ذوي اللسانين، كما يتحدث لنا مهيار الديلمي؛ الذي كان مجوسياً -على حد تعبيره - وأسلم على يد الشريف الرضي، وشعراء آخرون من الديانة الزرادشتية أيضاً كانوا يكتبون بالعربية، ولا ننسى أن نذكر الطغرائي الأصفهاني صاحب لامية العجم.

ثالثاً: خريدة القصر للعماد الأصفهاني
يحدثنا العماد الأصفهاني في كتابه هذا عمن كتب من الإيرانيين قصائده بالعربية وحسب. يغطي كتاب الخريدة مساحة أكبر وشعراء أكثر من سابقيه، ويعترف الكاتب بملء فمه أنه قد تجنب إتيان القصائد بالفارسية واكتفى بالقصائد العربية للشعراء الإيرانيين، في شرح صاحب (خريدة القصر) بين دفتي كتابه؛ حياة شعراء يزيد عددهم عن مئتي شاعر ظهروا ونشطوا في القرن الخامس للهجرة.

هذه الأسفار الثلاثة التي انتقيناها كنماذج للقراءة تشمل الحقبة التي انتشرت فيها لغة القرآن في بلاد فارس حتى صار من لا يتقنها ينعت بالعاميّ كما أسلفنا وتشمل الفترة بين القرن الثالث إلى السادس للهجرة.

رابعاً: موسوعة (الإيرانيون والأدب العربي) للباحث قيس آل قيس، أستاذ اللغة العربية في جامعات طهران.
   تشتمل هذه الموسوعة على سير حياة الإيرانيين ممن أسهموا على مرّ التاريخ بأقلامهم وكلامهم في تطور وتطوير آليات الحياة من علوم وفنون شتى، وبالعربية أيضاً. يتكون سفر آل قيس من عشرين جزءاً تتراوح صفحات كل جزء منه بين مئتين وثلاثمئة صفحة. طبع منه إلى يومنا هذا في مركز البحوث الإسلامية في طهران اثنا عشر جزءاً مبوباً حسب الفروع العلمية والأدبية. وعلى هذا الأساس، تجتمع في هذه الموسوعة أسماء وسير حيات المئات من المؤلفين الإيرانيين الذين كتبوا بنات أفكارهم باللغة العربية.
 
خامساً: الألفاظ الفارسية المعربة
أما الكتاب الأخير فقد يختلف عن سابقيه قليلً، وهو كتاب الباحث الكلداني العراقي أدي شير، الذي نشره في العقود الأولى للقرن العشرين. عنوان الكتاب هو (الألفاظ الفارسية المعربة)، حيث يسجل فيه أكثر من ألف وستمئة مفردة فارسية دخلت قاموس اللغة العربية.

   يذكر أدي شير في مقدمة كتابه: إن اللغة العربية مشحونة بالألفاظ الأعجمية كثيراً ولا غرو في ذلك، فالقبائل البسيطة في معيشتها و سيادتها متى خالطت الأمم الغريبة المتمدنة أدخلت، لا محالة، ألفاظاً أعجمية في لغتها، وهذا ما جرى مع العرب. لكن اللغة التي حازت قصب السبق في إعارتها اللغة العربية ألفاظاً كثيرة، هي الفارسية. لكن العرب يتصرفون في الألفاظ الأجنبية.

   إنهم يحذفون من الأصل الأعجمي أحرفاً؛ مثالً يقولون: مارستان في بيمارستان، ونشوار في نشخوار، وهزار في هزاردستان... أو يزيدون أحرفاً فيبدلون الأحرف، ولاسيما الأحرف الفارسية التي لا معادل لها في العربية...
   وأخيراً وليس آخراً، يجب أن أعترف بأنني قد اختصرت في ورقتي ما لا يختصر، فالثقافتان العربية والإيرانية منذ أيام طريق الحرير إلى يومنا هذا ثقافة واحدة بلغتين.


بقلم: موسی بیدج

اكتب تعليقك
الاسم
البريد الإلكتروني
اكتب تعليقك
  ارسل